غَلبَتِ العادةُ، إذا صدرت مطبوعة، أن تُقدّم بتوطئة تعرِّف مسعاها. صار ذلك-على كثرته- أدنى إلى خطبة ملولة يُصدّر بها كل عدد أول. والتصدير غالباً ما يرمي إلى تسويغ المهمة. بل غلى تبريرها على وجه الضبط. كما لو شاء الساعون، إلى إصدار مطبوعتهم، استباق معذرة القارئ لنقصٍ أو وهنٍ سوف يقعان لا محالة.
على العموم، ربما جاز لهؤلاء – وكلّ على طريقته – مثل هذه التوطئة. ونحن في مسعانا هذا، لا نفارق عادة التبرير إلا قليلاً. فأما القليل هنا، هو تلك الفسحة، التي أردناها لمهمة "مدارات غربية". وعنينا بها مهمة نقل ما نقرأ ونختار، من لغة إلى لغة. من لغة الغير إلى لغة الذات. فالمهمة على التعيين، أن ننقل إلى العربية، ما وجدناه على الأنسب، مما يتفكّر الغرب به، ويعيشه تجاه نفسه وتجاهنا.
لسنا نزعم لمهمتنا هذه إبداعاً. أو أننا جئنا القارىء، بخَطبٍ لا قِبل له به. لكن الأمر ليس بهّينٍ قط. فسنجدنا محمولين على المشقة والمسؤولية في آن. ذلك أن مهمة تعريب منجزات الفكر الغربي، بأحيازه المعرفية المتنوعة، تنطوي على آلياتٍ ومنهجياتٍ، لا بد لنا منها، لبلوغ فضيلة التواصل بين العرب والغرب.
نحن على وعيٍ من أننا نشتغل على منطقة فراغ، لا تفتأ تتسع كلما التبست علاقات القوّة بالضعف، وتداخلت المصالح بالمعارف، واهتزّت صلات الوصل بين ضرورات الدول وأخلاقيات حقوق الإنسان.
ندرك أن لا شيء كالتواصل المعرفي، يستطيع ملء مساحات القطيعة، بين كتلتين حضاريتين، دخلتا بوابة القرن الواحد والعشرين، وهما على خفَرٍ مقيم...
مسعانا في مهمة النقل والتعريب، هو إعادة الإعتبار لمبدأ التعرُّف على ما في فكر الغرب من تحوّلات.
ثم لنا أن نسأل ونتساءل: هل يمكن الحوار الآيل إلى التعرّف أن يبلّغ كلمته السواء بالتعريب والترجمة، خصوصاً بعدما قيل ما لا حصر له من تحاملٍ على الترجمة، ومن نعوتٍ وصلت حد اتهامها نكران النص وتحريف المنقول..؟
ذلك سؤالٌ سُئِلناه من قبل أن نمضي نحو العدد الأول.
وهو سؤال لا جواب لنا عليه، قبل أن نجتاز مساحة ما في التجربة.
إنَّا إذاً، في التجربة. لكنّا على يقينٍ من حسن الظن بها. ومن أننا أخذنا المهمة مأخذ المشروعية والجدوى.

في كتابه اللافت "التعرُّف على الغريب" بيَّن أنطوان برِمان صعوبة المهمة. لقد رأى إلى أن الترجمة، من حيث طبيعتها، هي تجربة. فالمترجم يكابد، ويعاني، ويعيش شغف التعارضات، التي تتناول مجال الترجمة. إلا أنه لا مناص، لكي يتحصّل التعرُّف على "غريب برمان" من المكابدة المكتظّة بجاذبية الإدراك والفهم.
وحين نظر "هايدغر" إلى النقل من زاوية الفلسفة، انطلق من ما يسميه "الوجود المستقل للغة" وكذلك من "المعنى الأصلي للفظ". فجعل الترجمة الموصولة بالفلسفة تستمع إلى الوجود اللغوي. ثم لتستنطق المعنى الأصلي الذي فيه.
"غادامير" في مفهوميته للتأويل والحوار، قارب القضية على طريقته المفتوحة على الإجتهاد، ليجعل الترجمة المتفقة مع الفلسفة نموذجاً تتجلّى فيه بوضوح الوشائج الخاصة، التي تقوم بين المؤول والنص.
نسوق هذا لا لنذهب إلى حد ما ذهب إليه الفيلسوفان. لا سيّما حين تحدّثا عن تلك المنطقة القصيّة، حيث تنعقد فيها الصلة المحمومة بين الترجمة والفلسفة.
كذلك، لا لنقصد، أو لنبتني على ما شاع في الفضاءات اللامتناهية للتأويل. حسبُنا الإشارة إلى الترجمة بوصفها عملية معرفية تحيط بطبقات اللغة المُظهِرة للنص المنقول. بهذا لا تعود ترجمة المنقول تعني تصوير الحرف. فالحرف يُقتل حين يكتفي ناقِلُهُ بالتصوير. ذلك أن الناقل محمولٌ على واجب جعل المنقول حيّاً وسيّالاً، لا مجرد صورةٍ لا روح فيها.

مع ذلك نعتقد أن لا نقل خارج الحقل المعرفي، الممتد من بديهيات الثقافة الترجمية، وصولاً إلى أخلاقيات الترجمة. وثمة -على ما نحسب- غير وجهٍ لأخلاقيات الترجمة لا مناص من التوفر عليها:
- أن يُرى إلى فضائل المترجم المتأتّية مما يبذله من جهدٍ، لكي تأتي نُقوله على شرط الأمانة والصحة. وهما فضيلتان لا تتحققان إلا بحفظ الصورة اللفظية للأصل.
- ألا يؤدي إلتزام الأمانة بحرفية النص عبر حفظ صورته اللفظية إلى نسيان النص وإقصائه. وبذلك تؤدي رداءة النقل إلى نتائج غير أخلاقية.
- ألا يؤدي اختلاف نظام القيَم وتباين الإعتقادات بين المُترجِم والمُترجَم له، إلى حَرفِ النص عن مقصوده، وإلغاء خاصّية صاحبه بوصفه مختلفاً أو أجنبياً، بذريعة تحسين المنقول وتكييفه وتطبيعه.
مسعانا أن نُنشىء "التعريب" على شرط ما مرّ. لعلنا نجىء إلى القارىء العربي بما يُكتب ويُقال في الغرب بلا استدخالٍ ولا تفريط.

هذا هو العددُ الأول من "مدارات غربية". وهو "تجريبي" في كل حال. وللقارىء العزيز أن يلاحظ معنا، ويشير إلينا أو علينا، بما يُصلح المسعى ويسدّد القصد...
|