مع انهيار المثل وتفتت المثال، يتبدى عقل العالم كما لو كان في العزلة؛ فيما هو ينتصب حائراً على شفا منعطف لا متناهٍ: يقينية "مانوية" متواطئة مع الحطام، أو أنه في حال تساؤل عما يعكسه ذلك الحطام من وهن وهشاشة واستلاب لدى إنسان القرن الواحد والعشرين. أليس العنف والإنغلاق صنوين، بل وجهين لحقيقة واحدة؟ وجه الذات المتقوقعة على نفسها ووجه الخراب العميم؟؟
كذلك الإنكفاء عن العالم، واللا مبالاة بالآخر، أفلا يشرعان الفوضى؟
وإذا كان العنف – كالنار السهلة الإشتعال والتمدد – لا يستحق ذلك العناء ليستحيل شظايا، أفلا يستحق الإنفتاح سيادة تلك السلسلة من القيم: الإحترام والحب والتسامح والحكمة والتروي والصبر والجهد الخلاّق؟ ثم هل يكتمل الإنفتاح المؤمَّل من دون إعطاء الآخر المختلف حقه في التمايز؟ أو من دون النظر إلى الإختلاف كمزيَّة خلاقة في صلة الذات بالآخر... في ديمومتها، وفي إعادة تشكيلها لذاتها؟

حتى في السياسة، بل في السياسة تحديداً، ليس ثمة ظاهرة ما، ينكفئ الآخر عنها أو يختفي. هذا الآخر هو في السياسة ليس فقط "كائن حي لا يعرف الإنكفاء أو الإنفصال أو الموات" وإنها أيضاً له وجه يرسم وجهي، على الأخص في بُعده العالمي. حيث وحدة التمايز والتفاعل تتمظهر من جهة أولى كنقيض للإستنساخ النمطي، ومن جهة ثانية كقوس قزح ثقافي متجذر في الزمن وفي ذاتية الإنسان. إن هذه الوحدة ليست هدفاً منشوداً بحكم أنها واقع. كما أنها ليست قابلة للكسر لأنها أساساً تعكس بشغف شرطها الإنساني في المرايا المتقابلة، حيث لا مكان لخطاب الإقصاء، ولا لظهور الذات في حركة العالم إلا من خلال وجود الآخر، كتحدٍّ لها أو كندِّ أو عدوٍ أو صديق.
في زحام هذا التساؤل ولدت "مدارات غربية" لتعبِّر عن حاجة ما، أو لتملأ مساحة ما من الفراغ لكي نتعرَّف إلى الآخر الذي يقابلنا في المرآة. وهو الذي نعني به "الغرب" على وجه الخصوص. معرفة غير محكومة بما تُسقطُه الذات على نفسها، وكذلك بما تسقطه هي على الآخر وأيضاً بما يسقطه الآخر عليها.. نتعرَّف على الآخر كأقصر الطرق لمعرفة ذواتنا نفسها. لأن هذه الذا قد تكون مدركة لنفسها في العلاقة الإنسانية إلا أنها لن تكون سيدة هذه العلاقة، حتى لو كانت معرفة الذات وسيادتها أشبه بتوأمين لا ينفصلان. ذلك أن هذه التوأمة لا تتمظهر إلا من خلال وجود الآخر كشاهد وحيد. كمحرك أساسي لها. وإلا فما معنى هذه التوأمة لو أن الآخر أشاح بوجهه عنها.

وهكذا أرى سكينتي وقلقي وحريتي في وجهه. ذلك لأنني أنساب إلى ذاتيته كشبيه، وليس كتوأمة مفصومة، مضطربة، بل ليس أيضاً كتوأمة منسجمة، متماسكة كما يحلو لي، وإنما بكل بساطة كآخر معطى تتجلّى صلتي به على أرض التكافؤ والتواصل والفهم المتبادل. أنا هو الآخر الذي يدركني ويفهمني كما أنا في الواقع: فإذا بي ارى وجوده كآخر موجود خلاّق.
نزعم أن "مدارات غربية" هي حاجة عربية ملحة. وأنها ولدت كمسعى لاجتياز حقول المقاربات المسطّحة، اللاواعية في فهم الغرب. ذاك الغرب الخلاّق في ما يمتاز به حضارياً وبتعدّده وتنوّعه الفكري والثقافي، وبثراء فلسفاته للحياة، بتضاريسها المعرفية والمعتقدية، والإجتماعية والسياسية اللامحدودة.
ولدت "مدارات غربية" لأجل رفد المثقف العربي بآليات المنجز الغربي في حقول البحث المنهجي الخارج عن العسكرة الأيديولوجية، وعن الإصطفاف الإنفعالي-النزوي على جبهات الخير أو الشر. حيث نرجو أن يتحقق ذلك عبر مدّه وتعزيزه بمواد بحث تمكنه من الحصول على ثمرتين أساسيتين:
أ. آلية عمل مكرّسة لنقل الفكر الغربي، تسمح له بتغطية التباينات والتعارضات الفكرية الغربية أمام كل موضوع من المواضيع الحساسة والمطروحة من قبل مدارات.
ب. الوصول إلى فهم معمّق وبانورامي لديناميات التعددية الفكرية من جهة، وسبر غور الخلفيات والأبعاد المعرفية والفلسفية والأيديولوجية لكل تيار فكري غربي من جهة ثانية. كذلك نرجو أن يجد المطلع العربي على مسعانا هذا، هاتين الخاصيتين المهمتين "لعدة عمله" في سياق تشكيله لنظرته تجاه الغرب وفي سبيل بلوغ مرجعية موضوعية وهاجس تواصلي وإدراكي تجاه الآخر ولعلاقته به.
نقول أن "مدارات غربية" ولدت من إحساس مخصوص بالمسؤولية، تجاه مكانة الذات العربية المهزوزة في عالمها المضطرب، وكذلك من مسؤولية تجاه وجود الآخر كتعبير أصلي عن الجدلية المنشودة ضمن مساحة عالمنا المشترك. هذا برغم أن العالم الحالي مكتظ بمفارقات هائلة ومزمنة كوحدة التراكم النوعي والكمي الهائل للتقدّم المادي والتكنولوجي في مقابل الضحالة القيمية للمثال المتأصل في لحظية بنيوية، حيث يتبدّى لنا ذاك المثال، مغلولاً وعلّباً "كوجبة سريعة" لجبروت الآلة في سيادتها على العقل. مع ذلك لا نفتأ نعتقد أن هذا العالم لم يكن أبداً خاوياً، وهو لن يكون كذلك في الزمن المقبل. وإنما هو عالم مسكون على الدوام بجدالية الذات-الآخر، وبالتالي فالمسؤولية تجاه عالمنا ليست فقط قيمة آنية ملحة وإنما أيضاً همُّ انتماء إلى المستقبل.
|