Search Madarat Gharbiya
 
Search

English Français
العدد الثالث - أيلول (سبتمبر) / تشرين أول (أكتوبر) 2004 فهرس العدد

كساد الروح في سوق الانتماء المزدهر
د. محمد عماد الدين نعمة
     لم تعجز الحداثة المنبسطة، المرتكزة على صنمية "السعادة الفردية"، وعلى "سيطرة الأنا"، والتي أطاحت بكل الموروث الغربي، القائم على الحقيقة والراحة "الفوقيتين" عن الفتك بمسلمات الكنيسة. وعلى تهميش من يجرؤ على البوح بأن الحقيقة هي في هذا النص، وبأن السلوك الأفضل هو ذاك. مع الحداثة تبدّل قانون الحقيقة نفسه. لم تعد مرتبطةً بقرارٍ معطىً من أعلى إلى أسفل الهرم. الفرد مع الحداثة، وحده الذي يتبوّأ المركز. وهو الذي ينتج بنفسه نظامه الدلالي والرمزي. وهو وحده كذلك من يدير تجارته، ويخوض محَنَهُ، ويعبّر عن تطلعاته. لهذا تعجز الكنيسة حالياً عن مواجهة رعيّتها، بواقع أن الحقيقة موجودةٌ خارج إرادتها. وهذا الوجود يفرض نفسه من خلال شرعيةٍ تاريخيةٍ تتمثل في صورة المسيح وخلاص الإنسان فيه، وفي العقيدة المسيحية كجسرٍ للأمان. إن هذا التوجّه يُصَوَّر على أنه "إعلانٌ أصولي" يُعاش فردياً، ومجتمعياً، كعبوةٍ في وجه الحداثة السائدة وإنسانها الموهوم بالسيادة، المهووس بالسعادة.

لقد امتازت بداية القرن الواحد والعشرين بعلامةٍ فارقةٍ، تبدو المسيحية معها مكسورة الجناح. هذه المؤسسة التي حرّرت المقدّس من الحيّز الجغرافي والقبلي، وحطمت الانتماء للعـرق، وكنّست الوثنية الرومانية، والسلتية، والغولية (Gauloise)، وابتنت هذه الحضارة الجبّارة، بدت كما لو أنها آلت إلى الهزيمة. لا بل إنها هُزمت عملياً في عقر دارها على يد حداثةٍ دنيويةSécularisation حثيثة الخطى والاتساع. حداثة ملازمة لوثنيةٍ جديدة، غايتها الخلاص الفردي، وعبادة المال، والزعيم، والجماعة.

في عالم الحداثة هذا، حيث يسود "طوطم القيم" و "تابو العلمنة"، يكاد جرس الكنيسة يصمت. وتكاد تُختزل هذه الكنيسة إلى كونها مثابة "بدعة". هذا ما نراه، ليس في فرنسا وحسب، وهي "الإبنة البكر للكاثوليكية"، وإنما أيضاً في الولايات المتحدة الأميركية حيث الولادات الكثيفة، والمزدهرة، للمعتقدات المشتقة -الفرعية والمنشقة- تتم على حساب الكنيسة الأم. كذلك في ألمانيا حيث تباع الكنائس وتُشترى المنائس كمثل لوحة. يجري ذلك خصوصاً في شرقها الذي لم يستيقظ بعد من آثار الأيديولوجية الماركسية. ناهيك عن أوروبا الشمالية، فثمة البروتستانتية هي أيضاً في دورة تحلل، حيث أمست عقيدتها معها في حالٍ من الغياب، إلى درجة انه لم يعد ضرورياً البحث في "مهاجمتها" في السوق الديني المعولم. بات يُرى إلى الديانات التاريخية كبضاعةٍ غير قابلة للتصريف. هذا ما نشهده، ليس في البيئات الكاثوليكية وحسب، وإنما أيضاً في المعابد اللوثرية أو الكنائس الكالفينية البروتستانتية، حيث يصنع الأفراد بأيديهم معتقداتهم، وينتقون مرجعياتهم من بين كل شاردةٍ وواردة، فيما هي على الجملة، خارجةً فكرياً وأخلاقياً عن قيم المسيحية.

     تبدو الكنيسة في الغرب اليوم كأنها تلهث وراء رعيّتها. إنها تبحث بحنينيةٍ عن "عودة الابن الضال". لكنها تفتقر إلى منهجيةٍ مفاهيميةٍ، وبنيويةٍ جديدة، أو متجدّدة، بينما يواجهها أبناؤها بالريبة والانكفاء. وهذا يتأتى ربما من الطريقة التقليدية الفوقية للكنيسة في إدارة أعمالها وشؤون رعيّتها. وهي الطريقة التي تبدو أكثر فأكثر بعيدةً عن الشفافية والمشاركة، وبعيدةً كذلك عن المعيش المتشعّب للتجربة اليومية للفرد، في مجتمع الحداثة المتخم بفردانيةٍ نهمةٍ وحادة.

إن أزمة تصحّر الروح ليست أبداً هي حصاد متعة الحداثة، وإنما هي ناتج عاملين متلازمين:
أ- إن الكنيسة التي تقدّم نفسها بوصفها مؤسسة الله على الأرض، لم تستطع إلى الآن – وعلى ما يبيّن مؤمنوها - الجواب على التساؤل التالي: إلى أي مدى تظل الحقيقة السماوية محبوسة على هذا النحو في هرمية المؤسسة المسيحية، ولا تصدر بالتالي إلا عن هذه كنيستها بالذات. أفلا ينبغي على هذه الكنيسة أن تعترف بأن الخضوع الذي تطلبه من رعيتها لنصّها المقدّس وتفسيرها الخاص له، وإدارتها لأمور الفرد الدينية والاجتماعية، يرتطم بمنجزات حرية الاختيار الفردية وحق النقد، والحق بالتأويل والتفسير، فضلاً عن المشاركة في التحقيق الجماعي للقضايا المصيرية؟
ب- إن هذه الأزمة الروحية هي أيضاً أزمة المناخ الغربي في حداثته. تلك التي تمتاز بمديونيةٍ أخلاقيةٍ واضحة. الأمر الذي يظهر من اعتلال الإلتزام المواطني، وانفكاك بناءات المعرفة، وأنظمة القيم، والتواصل بين الأجيال، وبين عناصر الأطر العائلية والتربوية. أزمة الحداثة بعلاقتها بأخلاقيات الكنيسة الثابتة تبدو في نسختها المفرطة بعولمتها، ليبرالية جشعة ومستغرقة في نسبية القيم، ونسبية الموضوعات الجديرة بالتوظيف العاطفي، وهي الأزمة الصادّة لكل فكرة أو معتقد ذو ثبات. إن صلابة واستمرارية هذه النسبوية الأخلاقية والتي تتعلق مرَضياً بكل ما هو غير مطلق، وغير ثابت، يزيد من سطوة الفردانية الغربية، ويوسّع من مجال لا مبالاتها ليخترق من دون رحمةٍ مآسي وعذابات بقية أهل الأرض.

تبقى كلمة... إن تفتّح الروح ربما يكون فقد مسوغ استمراره. إن هذا يتطلب التخلي نهائياً عن لازمة خضوع الفرد واحتلال إرادته. أما أنسنة الحداثة فتبدو بعيدةً، طالما أن إعادة الإعتبار للمقدّس والثابت، لم تحن بعد.

الصفحة الرئيسية
تعريــف
أرشيف مدارات
الإدارة والتحرير
إتصل بنا
الإشتراكات
الإعلانات
منتدى مدارات
رسائل

E-mail Login

User:   
Pass:   

Advertisement

 

Home about us Archive Contact Us Subscription Advertisement
جميع الحقوق محفوظة © مدارات غربية 2004

Designed by T-2K