Search Madarat Gharbiya
 
Search

English Français
العدد الرابع - تشرين ثاني (نوفمبر) / كانون أول (ديسمبر) 2004 فهرس العدد

حاضريّة الإسلام
محمـود حـيدر
     كلما انعقد كلام حول ثنائية الإسلام والغرب، عاد ما بينهما من وصل وفصل إلى سيرته الأولى. ما من شيء للإسلام على الغرب، أو للغرب على الإسلام، إلاّ رُدَّ إلى مستهل الإشكال. إلى تلك اللحظة التي أدرك فيها الغرب، بما هو غرب، أن استئناف التاريخ، وإعادة ترتيبه، لا يتحصّل إلاّ بآخر يواجهه، ليحاوره أو يجادله، أو ليهيمن عليه. إنها أيضاً اللحظة نفسها، التي يدرك فيها المسلمون أنهم، على وجه القصد، هم ذلك الآخر.

ما كان الأمر يحتاج إلى كثير مشقّة لاختبار مثل هذا الإدراك. الحافظة الجمعية للمسلمين مكتظة بما لا حصر له من الحوادث والوقائع والأخبار. أما أرشيف الغرب فمشحون بتيارات، واستراتيجيات، وأفكار، لا تنفك ترى إلى عالم الإسلام كفضاء مفتوح على تمرينات الاحتلال والسيطرة··

منذ الإرهاصات الأولى لنهضة الغرب، قبل نحو أربعة قرون، أخذت تنمو سيرورة اللقاء بالإسلام. غير أن هذه السيرورة طُبعت على غائيّة سالبة من أوّلها. ولقد رأينا كيف أنها ستؤول إلى ضربٍ من لقاء، تبيّن أنه لن يُؤدَّى على النحو المرسوم له إلا على أرض الزّيغ، والكمون، ومضمرات السوء. كان على الغرب الذي حمل حداثته الفتية لينشرها على الملأ، أن يلتقي بإسلام الشرق لقاء الحاكم بأمره. كأنما قدر الغرب في حداثته الأولى، ألاّ يرى إلى جغرافية الإسلام، إلاّ كمتَّسعٍ مديدٍ، يزخر بقابليات التلقّي، والتمثّل، والاستلاب.

مرة أخرى تضع أطروحة "الإسلام والغرب" الكلام على نشأته الأولى. فتلك،على الرغم من تقادم الزمان عليها، لا تزال حيّة تسعى. تفعل وتنفعل، وترسم وجه العالم وحدوده. إنها أكثر أطروحات الزمن الجديد مثاراً للجدل. لا يعود السببُ إلى عدم الفهم بين طرفي الأطروحة وحسب، بل إن عدم الفهم هو شقيقُ ضدّية حضارية وثقافيةٍ، وجدت بدايتها الفعلية مع صعود الدولة القومية في الغرب، واستشراء غريزة التوسع الأمبريالي.

لم يكن لجغرافية الإسلام الماثلة في عين الغرب كأمداء مترامية، للغزو، والانتهاب، إلاّ أن ترد الفعل بفعل. وهو - ردّ غالباً ما كان - بحكم ميزان القوة، وتقنيات السيطرة الجائرة، جواباً ارتدادياً فظيع الأثر. فلسوف يترتب على الفعل وجوابه الإرتدادي أفهاماً، ومعارف، وثقافات، لا تستوي إلاّ على حدِّ الرفض والاختصام.

مع ذلك، لم يكن في سيرورة "اللقاء اللدود" بين الإسلام والغرب من انقطاع· ظلت هذه السيرورة، على الرغم من الحروب الضروس، والهُدَن المتواترة، والتسويات الموقوفة، على نحوٍ ما من التواصل. غير أن هذا التواصل لم يكن ليأتي على أجنحة المصادفة. إنه تواصل ينهض على مفارقة: وجهها الأول هو الغزو، والسيطرة، والشغف المحموم لاستعمار بلاد الإسلام. وأما وجهها الثاني، فهو التحقُّق، والفهم، والتعرُّف، وإعادة صوغ ثنائية الشرق والغرب على صورة أخرى. ولئن كان الوجه الأول هو من طبائع الإمبراطوريات الطامحة، فالوجه الثاني هو ناتج عقل الاستشراق وطبائعه.

ما فعلته الإمبراطوريات الطامحة، كان فعلاً مشهوداً في نسيج الزمن العربي الإسلامي كله. فلقد كان على أرض الإسلام من كوارثه ما لا يحصى. أما ما فعله الاستشراق فإنه أنجز من القراءات، وابتنى من الأحكام، ما جعل صورة الإسلام والمسلمين مكسوة بضباب كثيف. فلو رأينا إلى صورة الاستشراق من منطقة المعاينة الحرة لَلاَحت لنا هذه الصورة: بعض الاستشراق أقبل على حسن الظن فكتب في الإسلام وحوله ما لا شائبة فيه. في حين مضى بعض آخر منه إلى حدّ وظّفت فيه أعماله ضمن أوعية الإمبراطوريات الطامحة.

لكن هل ثمة منطقة وسطى يمكن أن نعثر فيها على استشراق موضوعي رحيم وسموح؟·· نعم، بالطبع، ولو كان محدود الشأن. فلسوف نجد مثل هذا الاستشراق في طوره الكلاسيكي حين زامن الحملات الاستعمارية، وكذلك في طوره الما بعد حداثي حين يرى إلينا اليوم بعين السماحة والتأنسُنِ، والرحمانية. لكن داء الغَلَبة سيلقي بظلّه على جُلِّ تلك الإضاءات. ولو عاينّا قليلاً لوجدنا هذا الداء هو نفسه داء الحداثة بامتياز، ذاك الذي ساد، وشاع، واستبد سلطانُهُ على امتداد القرنين المنصرمين.

     هذا هو السياق الأكثر غلبة في جدالية الغرب / الإسلام. سياق لا ينفك يحكم عقل الغرب المعاصر، من "الحرب العادلة" إلى "صدام الحضارات"· فلقد صار الحذر المقيم الآن هو المعيار الذي ينتظم "اللقاء اللدود" بين الإسلام والغرب.

ومهما يكن من تفاوت في مدارج تفكير الغرب حيال الإسلام، فإن حاضرية الإسلام في تلك المدارج هي السمة التي ستؤسس للعالم كله صورته الآتية. فالإسلام حاضر حضور العين في فضاء الغرب اللاّمتناهي. لقد صار جزءاً منه من دون أن يذوي فيه، وقيمة من قِيَمِهِ من دون أن يضمحل فيها. كذلك سيبقى لوناً مائزاً من ألوانه الكبرى.

     في هذا العدد من "مدارات غربية" اخترنا بعض ما لدى نخب الغرب ومفكِّريه عن الإسلام والمسلمين. سوف نقرأ في ما حواه العدد، كلاماً مؤسَّساً على حافظة الماضي حيال الإسلام والمسلمين· بقدر ما سنقرأ ما يتأسس عليه حاضر تلك الثنائية المقيم على الحمّى، ومُقْبلُها المفتوح على "مثنويات" الحوار والصدام، والحب والكراهية.

 

الصفحة الرئيسية
تعريــف
أرشيف مدارات
الإدارة والتحرير
إتصل بنا
الإشتراكات
الإعلانات
منتدى مدارات
رسائل

E-mail Login

User:   
Pass:   

Advertisement

 

Home about us Archive Contact Us Subscription Advertisement
جميع الحقوق محفوظة © مدارات غربية 2004

Designed by T-2K