أُخِذَت اليهودية في الزمن حتى يكاد لا يُرى إليها كدين. لم يُنتزعُ فيها الدينيُ عن الأرضيِ، ولا المتعالي عن الوضعاني، حتى بات الأمران واحداً لا يقبل الفصل والتمايز. ربما كانت في ذلك أكثر الديانات استعداداً إلى التشيُّؤ. بل وأكثرها قابلية للتفسير والتأويل والتوظيف. وهي حين جرت في التاريخ السياسي والاجتماعي حُمِّل الديني وزرَ الدنيوي. فبدا سبيُ بابل ورحلات التيه، واضطهادات الحداثة كما لو كانت حاصل ذاك الوصال الذي لا ينفك أبداً.
هل يعني هذا أن التراجيديا اليهودية كانت حتمية، بسبب من الزمن الذي أخذها، أو الذي هي أُخِذَت فيه؟
ليست الصورة على هذا النحو. ثمة في المشهد ما هو مركَّب ومعقَّد وضبابي. لكن ينبغي أن نعثر على الفاصل الطفيف بين الحقيقة والتوظيف. فلو رأينا إلى ما نقصد وجدناه في الكيفية التي سُيِّلَت اليهودية فيها كديانة في مادِّية التاريخ.
ثم لنجد، كيف تحولت المنافع إلى عقائد، والسياسة إلى دين، والمال إلى وثن للعبادة. كأن الأمر بالنسبة إلى أحبار اليهودية الجارية في الزمن جاء مقلوباً. حيث رُفع الدنيوي إلى مقام الديني، وتسامى الوضعي على الغيبي، حتى صار كل ما في (اللوح المحفوظ) عرضة للاستحالة.

حين رأى ماركس إلى إله اليهودية بوصفه إلهاً علمانياً، وإلى حضارتها حضارة سوق، فإنما كان يرمي إلى هذا التحويل الذي أجراه التلمود السياسي في الإيمان اليهودي الأول.
كذلك كان الأمر بالنسبة إلى كانط الذي أنكر على اليهودي روحانيته، وخلع عليه مادية تاريخية صافية. ونظر إلى ديانته كعقيدة سياسية قومية. ووصف المسيحانية الممزوجة فيها بأنها طموح إلى حياة أفضل لشعب يعيش الشتات والنفي.

كل هذا سيبتدئ مع الفصل المروِّع بين الحقيقة والتوظيف. فإذا كان للنص التوراتي قابلية التأويل، فإن اليهودية السياسية التي أنشأها الغرب على صورته ستطيح مصدرها الآلهي. ثم لتوظفه في حمى الزمان والمكان.
لقد ارتكبت عصبية الغرب فظائعها بحق اليهود، لكن الصهيونية ستفلح في تحويل تلك الفظاعات إلى دين. ولسوف تكون الوريث الشرعي لعصبية حادة، طموحة الاستيطان والغلبة والنفي. فستجد في أرض فلسطين بعد هنيهة، محلاً خصيباً للانتقام ومفارقة مشاعر الاضطهاد.
مع الصهيونية استحالت "الهولوكوست" ديناً يدان به، وعقيدة تدين العالم بأسره، وتشعره بذنب لا شأن له به، وإنما بنازية فعلت فعلتها ومضت. لم تكن إسرائيل إلا حصاد الحداثة الغربية وذنوبها. لكنها مع التوظيف الطارد لكل حقيقة، ستعيد الاضطهاد إلى نشأته الأولى.

هذا العدد من "مدارات غربية" يبحث عن مفارقات الحقيقة والتوظيف كما يراها عقل الغرب. سوف يكتب عدد من المفكرين والباحثين من يهود الغرب، ومسيحييه، وعلمانييه، حول "الهولوكوست" وفلسفتها، ومآلاتها، ماضياً، وحاضراً، ومقبلاً.
|