Search Madarat Gharbiya
 
Search

English Français
العدد الخامس - كانون ثاني (يناير) / شباط (فبراير) 2005 فهرس العدد

المأساة الفلسطينية و الحداثة المذنبة
د. محمد عماد الدين نعمة
     يدفعنا الكلام على فلسطين وتاريخ مأساتها، دفعاً في اتجاه التطرق إلى مسألة الحداثة الغربية عموماً، وبربريتها بصورة مخصوصة. إذ يستحيل الكلام على نشوء دولة إسرائيل من دون الغوص في ظروف الحرب العالمية (الغربية) الثانية. هذه الظروف التي دفعت طائفة برمتها إلى الفرار من صناعة الموت الجماعي، والتي تفنن بها الغرب كثيراً آنذاك. سوى أن التطرق إلى الصهيونية كعقيدة قومية ـ دينية لن يفي بالغرض إن لم يُربط بعدوانية اللاسامية الغربية. هذه العدوانية المتأصلة، والتي أنجبت بتلاحمها مع الشعور القومي المتجذر والمترامي في أوروبا، تلك العقيدة المركبة. من دون معاداة السامية الغربية هذه لا يوجد عقيدة صهيونية، ومن دون التدمير المنهجي العنصري لليهود لا يوجد مؤسسات صهيونية "دولتية" قائمة على الغلبة، وعلى تمييز قسم من الصهاينة "الأشكيناز"، ليس على حساب المواطنين غير اليهود فحسب، وإنما أيضاً على حساب قسم آخر من اليهود "السفارديم" الشرقيين، أو الفالاشا وغيرهم. لقد وضعت اللاَّسامية الغربية للصهيونية مدار حركتها، فيما منحت المحرقة الشحنة الأخلاقية الدافعة لليهود نحو فلسطين.

لئن لم تكن الصهيونية إلا ردة فعل تاريخية، واشتقاق إيديولوجي عن حداثة اللاّسامية، فإن نشوء دولة إسرائيل، أو نكبة فلسطين، لا يمكن فصلها عن تاريخ أوروبا الحديثة. يجري ذلك، حتى لو ادّعت "البروبغاندا" الصهيونية، بأن العودةAlliah هي سعي كل أجيال اليهود الذين يحلمون بفلسطين نحو أرض "ميعادهم". والواقع أنه على مر الأجيال والقرون، لم يجتمع اليهود في هذا المكان. ذلك أن هذه الأرض أُختصِرُت على حلم العودة هذا. وإذا استثنينا الجهد الصهيوني، والغربي الحديث، في تجميع اليهود داخل فلسطين، فإننا لن نجد وعلى امتداد الزمن المنقضي، أي جهد في هذا الاتجاه. ومع هذا تبقى مسؤوليات الغرب في مأساة فلسطين فظيعة الأثر.

     في البدء استظلَّت البربرية بحداثتها ذاتها، فاعتُبِرَ القرن العشرون بحق، قرن المذابح والمآسي بحق الشعوب والإنسان. بل قرن التطهير، والتهجير العرقي، والعنصري، و الديني.

في كتابه "قرن عشرين قصير" يعرض أريك هوبزباوم Eric Hobsbawm لوحة إحصائية مرعبة عما يسميه بـ "عمر التشدد" لحقبة من البربرية الغربية الحداثية: بين الحرب العالمية الأولى و لغاية عام 1980 فإن عدد ضحايا الحروب، والعنف السياسي، والقتل الجماعي يوازي 187 مليون إنسان أي ما يعادل تقريبا 9% من عدد سكان البشرية لسنة 1938. إن عدد قتلى الحرب الغربية الثانية وحدها يقارب 55 مليون شخص من بينهم أكثر من 22 مليون مدني غير مسلح.

فلو دلّت أرقام الضحايا على شيء فإنها تدل بوضوح، على المستوى "المتقدم" الذي بلغته ابتكارات القتل التي أبدعتها حداثة الغرب. من هيروشيما المبادة بشراً وحجراً، إلى القنبلة النيوترونية - Bombe à neutronقنبلة لا تمس الممتلكات، والثروات المنقولة أو غير منقولة، إنما تبيد الإنسان وحسب. كل هذه الهمجية، الفعلية، والمتخيلة تمت بفعل حداثة محكومة بالعقلنة الباردة والبرمجة النفعية. لقد تمّت بفعل حداثة مسلوبة بالمكننة المؤلَّهه، ومهجوسة بالتصنيف الهرمي للإنسان وللأشياء.

     إن التدمير العنصري في الغرب لم يبدأ مع أفران اليهود، والغجر، والبولونيين ومثليي الجنس Homosexuels ، وإنما عبر ما سمي وقتذاك بعملية T4للقتل "الرحيم"Euthanasie ؛ والذي عمل على ابادة المعاقين جسدياً في صورة جماعية. أي أولئك الذين أبيدوا بذريعة أن "حياتهم لا تليق بأن يعيشوها" بحسب الوصفة العنصرية الشائعة في ذلك الوقت. على هذا النسق من الرعب والفظائع وَجَبَ وضع تراجيديا هيروشيما، ومحرقة النازية لليهود وللغجر، كمثل ما كانت عليه الحال أيضاً في معسكرات ستالين Goulag للتعذيب، وللقتل المنهجي للإفراد وللجماعات. وفي إطار هذا النسق الحداثي، جرى القتل الجماعي بدم بارد، وعلى يد بيروقراطية مخطِطة، تجهل معنى الانتقام واللذة العمياء. على النسق نفسه من التدمير المنهجي الحداثي للإنسان، تم قهر اليهود وطردهم؛ ليس من إيديولوجية الحداثة نفسها، وإنما من إطارها المكاني. تلك الأيديولوجيا التي لم تحتمل هذا الآخر، الذي وللمفارقة، حدد معها، وعلى مرَّ التاريخ الغربي، مسألة هويتها وكينونتها وذاتها. بل كذلك بعلاقتها المحددة والمتأصِّلة به كآخر مختلف أو معادٍ، ولكن ليس أبداًَََ كشبيه. لقد تم اضطهاده، ثم طرده، و لكنه حُمّل أو تُرك محمّلاً إيديولوجية العرق، والمكان، التي أغرقت أوروبا بالمآسي والكوارث. لقد أمدَّته بإيديولوجية الامتياز و التمييز، وأغوته بعبادة المحرقة كبديل حداثي لمثاله الكوني، ومن ثم نفخت فيه التشبث بالمكان كدال نهائي للوجود، و ذلك على أنقاض انتمائه الأصيل وهو: أينما حلت الذات فإنها تبقى في وجه اليهودي كتوأم له في المرآة؛ بحيث لم يكن ثمة حدود، ولا عوائق منعت اتصال اليهودي بالآخر، المختلف أو الشبيه. لقد رَمَزَتْ اليهودية "الماقبل" إسرائيلية بالذات إلى وحدة الإنسان ومصيره وكونيته. من هنا فإننا لا نجد حرجاً في إيضاح حقيقة أن الهمجية الغربية بدأت في "حرق" المفكرين اليهود الكونيين قبل الشروع في "الحل النهائي" لهم كطائفة. ألم يتم إحراق كتب سبينوزا، وماركس وسيغموند فرويد وحنة ارندت، في الساحات العامة، وقبيل رقصات الدم؟

أمام حال اليهودي الطريد من فضائه، ومن تاريخه الغربيِّين، والحامل في الآن نفسه فيروس حداثتهما، سوف نجد أن الغرب يواجه أزمة مزدوجة، أخلاقياً وايديولوجياً: تتمثل أخلاقياً عبر ذاتية مفرطة التمركزEgocentrisme وقاتلة، وتتمثل أيديولوجياً في تشظِّيها لانشطارات المكان، والثقافة، والعرق، وبالتالي تشبثها Fixation النفس ـ علائقي في آن معاً وذلك عبر ضحيته هو بالذات. إنه ذاك الذي حالما رست باخرته في فلسطين راح يشرع باقتلاع سكانها، وإذا بضحايا التمييز، والتطهير العنصري ينتجون هم أنفسهم الأيديولوجية ذاتها والأداء الغربي ذاته.

     أما الفلسطيني، فليس له من أزمة الحداثة المزدوجة هذه، لا جملاً ولا ناقة. كما لو أنه ببساطة، يعاقب مرتين: مرة عبر الضحية عندما تحولت إلى جلاد، ومرة عبر الغرب الغارق في إيديولوجيته المكانية ـ العرقية وفي ترتيباته لآلام ألآخرين.

للتراجيديا الفلسطينية في ديمومتها، وظيفة نفسية علائقية شديدة الترميز والتجذير:

أولاً من خلالها الصهاينة الناجين من جهنم الغرب. أولئك الذين وجدوا في أرض فلسطين فرصة للتعبير عن شعورهم بالظلم ـ وخاصة في تمظهره الانتقامي ـ عبر نقله إلى موضوع بديل ليجسد كبش "المحرقة" بامتياز.

ثانياً في هذه التراجيديا الدائمة، حيث يجد في حداثة الغرب يقينية لائقة، لذاته العاجزة عن مواجهة الشك، وعن قراءة عقلانية "لمآثره" القاتلة. أوعن أخذ العبر الكونية من ذنبه ومن ندمه. مع هذه التراجيديا، تكتشف الحداثة الغربية، وللمفارقة، وجهها "الإنساني" الذي ـ ولو كان أنانياً وإستنسابياً ـ فإنه يقيها أولاً من الضحية عبر شرك "الترميم التعويضي" لعلاقتهما، ويؤهلها ثانياً لرمي كرة اللهب خارج الذات و"سيطرتها". ويدفعها من ثمة لوضع هذا اللهب بالضبط بين ضحاياها هي.

بكلمة، كل الحلول تبقى مبتورة أو ملغومة، طالما بقي الغرب والصهاينة على كبتهم لمشاعر المسؤولية والذنب تجاه الفلسطينيين. ذلك أن مصلحة الشعب الفلسطيني تقتضي الوصول الى تسوية مقبولة تكون انعكاساً لأمريـن: زراعتهم وحصادهم وإدارتهم لندم الغرب وإسرائيل·وألاّ يكون التسامح والعفو شكلاً للانتقام أو اللامبالاة، وإنما انفتاحاً واحتراما ً وترسيخاً لعلاقات الرقي والعدل والكرامة. من هنا فإن تماهي الفلسطيني وتعاطفه مع سابقة نيلسون مانديلا، مثلاً، يجدان لهما كل المبررات.

الصفحة الرئيسية
تعريــف
أرشيف مدارات
الإدارة والتحرير
إتصل بنا
الإشتراكات
الإعلانات
منتدى مدارات
رسائل

Advertisement

 

Home about us Archive Contact Us Subscription Advertisement
جميع الحقوق محفوظة © مدارات غربية 2004-2005

Designed by T-2K