لو كان لنا أن نتبيَّن لأميركا صفة ما، لَصَعُب البيان، واتَّسع حقل التوصيف· بعضهم يرى إلى أميركا بوصفها قضية فينومينولوجية· أي أنها البلد الذي ظهر على خارطة العالم كاستثناء لا يشبه سواه· وبعضهم وجد فيه خلاصة الحداثة وما بعدها· وآخرون ممن أُخِذوا فيه، لم يروا إليه إلا بصفة كونه مقولة ميتافيزيقية حطّت على الأرض البكر لتصنع للعالم خلاصه من الإثم، ثم لتستنقِذَهُ من هبوب الجاهلية.
لم تستقر المقالة الأميركية على توصيف واحد· والفرادة التي خُلعت عليها، من أهلها ومن عدوِّها، جعلتها مقالة مفتوحة على التأويل.
فبقدر ما تبدو المقالة الأميركية بسيطة، هي مركبة· وهي واضحة بنسبة ما يكتنفها الغموض· وكلما تسامت على الجغرافيا والتاريخ ومملكة الاستحواذ، كان لها في التفاصيل والصغائر قضايا قد يصبح العالم كله بسببها على حافة القيامة.

تبدو أميركا كمرآة مكتظة بالمفارقات· لا منطق للعالم من دونها· أو من دون أن يكون له بها صلة الربط، والشرط، والإصغاء· حقٌ لها أن تَجْمَعَ المتفرِّقَ، وتفرِّقَ المُجتمِعَ· ثم لتستأنف الجَمْعَ والفِرْقَة حيثما شاءت لها عقيدة القضاء والقدر· لم تفصل الفلسفة السياسية الأميركية بين الديني والقومي، ولا بين أميركا وبقية العالم· كل شيء يتعيَّن داخل الأوعية المتصلة المرصودة للاستثناء الأميركي· وحين تبلغ الايديولوجيا الأميركية أقصاها سنرى كيف تحوَّلت عمليات التوظيف إلى نشوء ما يسمى بـ "الدين الجديد"· حيث يتوحَّد الدين والقومية، وتتوثَّق هوية الاستيطان في أرض "إسرائيل الجديدة".

أميركا هي العالم، العالم هو أميركا·· هذه ليست مجرد أطروحة للاستخدام الايديولوجي· انها الايديولوجيا الأميركية في حدِّها الأقصى· عالمية أميركا هي قضية عقائدية من قبل أن تكون شأناً متعلقاً بالحاجة إلى الانتشار الجيوـ استراتيجي.
شعور أميركا بنفسها اليوم، هو نفس شعورها يوم وضع مؤسسوها الأوائل مهمتها العظمى بما هي أمة مبعوثة للبشرية· كأن أميركا أمة لمَّا تزل في طور التأسيس من ابراهام لينكولن إلى جورج بوش· الكلمات التي ترسلها إلى العالم، هي هي· وخطاب استعظام الذات هو نفسه· كل الذين اعتمروا البيت الأبيض من الجمهوريين والديمقراطيين ما كان لهم أن يفارقوا لغة لا ترى إلى العالمين إلاّ كـ "أغيار" لا سبيل لهم إلى نعمة الخلاص.
ومن لا يتذكر كلمات هرمان ملفيل التي رفعت بارانويا الاستعلاء، والقوة، وتقديس الدماء حدّ الجنون: "لا نستطيع إراقة قطرة واحدة من الدم الأميركي من دون أن يُراق دمُ العالم كله· دَمُنا نحن أشبه بطوفان الأمازون· إنه مؤلف من مئات التيارات النبيلة المترافدة في مجرى واحد·· نحن لسنا أمة، بمقدار ما نحن عالم· فما لم نكن قادرين على أن نزعم أن العالم كله هو لأبينا وسيدنا، مثل ملك إبراهيم، يبقى نَسَبُنا ضائعاً في الأبوة الكونية الشاملة"...

على هذه الروح تتكئ الايديولوجيا الأميركية· هي روح رسولية يشترك فيها السياسي والديني من دون تفاوت· وهي لا تزال مستمرة منذ عهد الاستيطان· ولو نحن قرأنا وثيقة ماي فلاور لعام 1620، لرأينا كيف شبّه أول حاكم لبوسطن مدينته بالقدس الجديدة.
بعد قرون سينكشف الخطاب الأميركي عن رسولية مزعومة لا تفاجئ أحداً· إذ على الأميركيين كما صرَّح أحد الشيوخ (جس هلمز عام 1996) "حمل مشعل الأخلاق السياسي والعسكري في قانون القوة، كما عليهم أن يصبحوا قدوة للشعوب".
لقد بدأت أميركا بالايديولوجيا لتؤسس الدولة بالفكرة· ولتحيي فكرة الأمة بالعقيدة· حتى جورج بوش الذي دخل مغامرته الكبرى ليخوض حربين عالميتين بعد الحادي عشر من أيلول سوف يحفر في سر الإشكال ويقول: "لا يوجد عرق أميركي بل عقيدة أميركية فقط".
لقد حلَّل كثيرون من مؤرخي سياسة أميركا الخارجية المسارات الأخلاقية والتهذيبية لهذا البلد فأدرجوا هذا الدور ضمن استمرارية الهيمنة· وحين دخلت الولايات المتحدة مع العولمة زمناً آخر، كان عليها أن تتهيأ لعالم راح يتحول إلى منطقة فراغ· كان عليها أن تملأ مثل هذا الفراغ بأي ثمن· حتى لا تغدو هي نفسها تائهة في فضاء العدم· لكنها، وهي تفعل ذلك، لم تلبث حتى امتلأت بعالم يكتظ بفوضاه، ويمنحها أعداء تؤسس على عداوتهم المفترضة زمنها الجديد·
|