عندما نرى إلى أن ما يعادل 450 مليون إنسان من 15 بلداً مختلفاً كانت بعثرتهم مصائب وويلات الحروب، يقررون الالتقاء من أجل التآخي والسلم، متحدين في إطار فريد واستثنائي بكل المعايير السياسية الموجودة حتى الآن··· سوف نجد كم أن هذا المشروع يستحق بالفعل كل ثناء واحترام، مثلما يستحق استقراءه والاهتداء به.
قبل كل شيء، لا يمكننا الكلام عن البناء الأوروبي بعلاقته بالمحيط العربي - الإسلامي، وبالولايات المتحدة من دون الوقوف أولاً أمام هذا البناء بذاته. فهو ليس مشروعاً سهل التنفيذ، رغم انغراسه شيئاً فشيئاً، ورغم نموه المتعرج. ولئن دلَّت أزماته المتتالية على شيء، فهي تدل أولاً على عزيمة مواطنيه في السير إلى الأمام، وثانياً على بيروقراطية دُوَلِه المعيقة والمحبطة. وإذا تعمقنا قليلاً في أزمته الحالية، نجدها عصية ومتعددة الأبعاد، إن من حيث عجز فعاليتها في تثبيت بصماتها ضمن “لعبة الأمم”، أو لجهة تخبطها في مشروعها الفيدرالي الفضفاض، وتغييبها لنظام اجتماعي متقدم. إنها ليست بالتأكيد الأزمة الأولى، و لن تكون آخر الأزمات في رحلة أوروبا الموحدة. إن البناء الأوروبي ومنذ ستين عاماً تقريباً لا ينفك يجري صعوداً من أزمة إلى أخرى.
لكن في ما وراء هذه الأزمات يوجد تساكن مضطرب بين المباح والمكبوت في الخطاب الأوروبي. فعندما يكثر الحديث عمّن هو المواطن الأوروبي ومن ليس كذلك، أو عمّن يحق له الانتماء إلى أوروبا ومن لا يستحقه، فمعنى ذلك أن هناك سؤالاً مكبوتاً قوامه التالي: ما هي الروحية السياسية والقيمية للمواطنة الجديدة التي تريد أوروبا وضعها مكان تلك المواطنة القديمة، المرتبطة بمفهوم الدولة ـ الأمة والمراد تجاوزها؟
إن أزمة البناء الأوروبي الحالية تتجلى بامتياز في هذا التخبط بين القديم والجديد، بين الدفع نحو الأمام وبين الانتكاس. التخبط الذي يمر به الأوروبيون نراه عندما يغوصون من جهة في تسهيل أو تعقيد عمليات الاندماج بينما ينكرون أو يتنكرون من جهة أخرى لضرورة تحديد ماهية أوروبا وهويتها، أو لوضع تصور سياسي وقانوني لمواطنة جديدة عابرة للأوطان وفوق الدول المندمجة. منذ اتفاقية هلسنكي لعام 1975 حول الخريطة الجغرافية لدول أوروبا، ومبدأ اللاتوافق يأخذ مداه بين الحدود الجغرافية وحرية مرور الأفراد، والآراء والبضائع. فالتخبط المزمن في تصور الأوروبيين لحدودهم يعكس جوهرياً أصل الإشكالية. وهنا تكمن المفارقة الأوروبية التي تعود إلى حقيقة أن هذا البناء ينتابه هاجس يومي حول أمن وسيادة حدوده الجغرافية، وفي الوقت نفسه نجد أن حدوده هذه بقيت إلى الآن خارج أي تحديد سياسي أو جغرافي. كما لو أنها حدود محكومة بالغموض والضبابية.
لماذا بقيت هذه المفارقة ومنذ هلسنكي سيدة المعاش الأوروبي لحدودها و للعلاقة السيادية بين الداخل والخارج؟ أفلا يقودنا هذا إلى متاهات من أسئلة لا تنضب؟ هل أوروبا فكرة أم كيان طبيعي؟ هل هي العالم بمفهومه الفلسفي، الفكري إن لم نقل الثقافي أو الجيوبوليتيكي؟ ما هي هذه الأوروبا؟ أهي تلك التي تجمع دولاً يحكمها الشرط الاقتصادي ببعده الريعي والانتاجوي، أم أنها اكبر من ذلك بكثير؟ هل هي فعل دفاعي لذات قلقة ومسكونة بهاجس الحروب التي طحنت أممها وشعوبها، بحيث إن الوظيفة المثالية المبتغاة لهذا البناء هي التحصن الجماعي من كوابيس الماضي المدمر لكل دولة مندمجة على حدة؟ أم أنها أعمق وأكثر رؤىً من ذلك؟ لماذا لم تستطع أن تحدد هويتها، وغاياتها؟ هل هي مقصورة على ذاك التزاوج الثقافي والمصاغ بقرار ارادوي فوقي، أم ذاك الموروث الما قبل ـ حداثي و بكل ما يتصف به من أنوار ودمار في آن، أم أنها أسمى من كل ذلك؟ أما إذا أردنا العودة لعلاقة أوروبا بمحيطها العربي ـ الإسلامي وبالولايات المتحدة فإننا نوجزها ببضع كلمات:
إن البيت الأبيض ليس فقط بحاجة لعتاد أوروبا الاقتصادي ولعديدها من أجل الخروج من ورطته الدموية في العراق. القضية أبعد من ذلك. أوروبا الموحدة تعطي للأميركيين دعامة جيواستراتيجية واقتصادية وثقافية ضخمة من حيث التموضع تجاه "النمر الأصفر" وكذلك من حيث التعامل القوي مع روسيا وريثة “الترسانة النووية الحمراء “. وأخيراً من حيث مجاورتها وتحاذيها مع “الرقعة الخضراء” المضطربة والممتدة من القوقاز إلى السنغال. ولكن هل أميركا مدركة لهذا كله؟ ما نخشاه هو أن تكون الحاجة الماسة لدى أميركا من اجل التعاون الراهن في بعض الملفات الدولية ليس إلا نتيجة شعورها بالعجز عن الاستمرار في سياسة أحادية كلفتها وتكلفها الغالي من قدرتها ومن سمعتها.
نخاف من “صحوة براغماتية” عند جمهوريي البيت الأبيض والمستندة حالياً إلى “ولسونية” ظرفية أو ظاهرية. لكنهم لن يتلكأوا في الواقع عن أية مبادرة أحادية الجانب إن سمحت لهم قدرتهم بذلك.
أوروبا الموحدة قدمت للولايات المتحدة الكثير رغماً عن شعوبها في فترات مختلفة.
ـ مشاركتها الفعالة في احتلال أفغانستان.
ـ سكوتها الحالي والإيجابي نسبياً عن يوميات احتلال العراق المدمر.
ـ تعاطيها المنسجم مع أطروحات أميركا بخصوص الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
ـ تناغمها مع الإدارة الحالية في تشديد الخناق على سوريا في مسائل تتصل بلبنان، وفلسطين والعراق.
أما أميركا فماذا أعطت بالمقابل لأوروبا الموحدة؟ هذا سؤال موجه لكلتا ضفتي الأطلسي.
لكن لا بد من الإشارة إلى أن أوروبا (بوحدتها أو بتشتت دولها) تسعى جاهدة لتكون على وئام مع الولايات المتحدة، أما مع العالم العربي ـ الإسلامي فان مشروعها الوحدوي يذوي بكل أسف، ليحل مكانه الحضور(والتنافس) الفاعل لدولها، بخاصة كبرياتها، دفاعاً عن إرثها المتآكل، أو عن مصالحها الوطنية الضيقة الآخذه بالضمور.
وبعد، فلسنا نجد هنا غير مصلحة إستراتيجية واحدة عند شعوب هذه المنطقة الشديدة الاضطراب وعند مواطني أوروبا: وهي الدفع إلى الأمام بهذا المشروع الوحدوي الفريد نحو مواطنة أكثر رقياً، وأكثر حرية، ومن أجل علاقات حسن جوار قائمة على التعاضد والتوحُّد والاحترام المتبادل.