بعيداً من الأسباب الموجبة، أو الأعذار التي تسمح لهذه الدولة الفتية أو تلك، بالنزوع نحو التسلح النووي، وبعيداً من الشروط الجيوـ سياسية المعقّدة، والتي تؤسس لإرادة التسلح أو الردع الاستراتيجي في منطقة ما، فإن التطرق لفكرة السلاح النووي مرتبط بالضرورة ارتباطاً وثيقاً بموقع هذا السلاح لدى الغرب في علاقته مع ذاته و مع الآخرين. انه (السلاح) دالة غربية أساساً. ذلك على الرغم من محاولات "تخْفِيَتِهِ" خارج عولمة الغرب المندفعة في كل الاتجاهات. إن السلاح النووي هو خاصية غربية المنشأ. وهو كذلك من حيث التطبيق التدميري (هيروشيما وناكازاكي) وأيضاً وأساساً من حيث تمظهره كوسيلة تخاطب سياسي-حضاري بين الدول والشعوب.
السلاح النووي في يد الغرب ليس مجرد وسيلة ردع، وإنما هو أيضاً أداة غير مرئية له في "عدة الشغل" الدبلوماسي اليومي. إنه السلاح القائم أساساً على الغلبة وليس على التعاون. على السيطرة وليس على الشراكة. فلئن كان لهذا السلاح بيد بعض الدول الصغيرة وظيفة دفاعية، تنشد من خلاله حماية وجودها كدولة أو كأمة، فإنه في الغرب هجومي الولادة والمسار، وعلى أساسه تنهض موازين القوى العالمية، وفي الوقت نفسه على المُتَخَيَّل لنتائجه الماحقة تتأسس منظومة الأخلاقيات السياسية.
منذ ظهور السلاح النووي في يد الغرب آب (أغسطس) 1943، أي قبل أول تجربة سوفياتية لهذا السلاح في عام 1953 وإلى ما بعد انتهاء الحرب الباردة، وهو لمّا يزل يؤدي وظيفة واحدة: تهيئة مناخ مرعب من أجل سيادة سياسية - اقتصادية آمنة. هذا ما تعكسه معاهدة عدم انتشار السلاح النووي لعام 1968، والتي تُعتبر حجر الأساس للنظام العالمي بخصوص عدم انتشار هذه الأسلحة ونزعها. وهي المعاهدة التي تمثل إحدى ثمرات الدبلوماسية الغربية، وتجسّد فعلاً الخلل القائم بين بعض القوى المتحكمة بهذا السلاح التدميري وبقية الأمم. إن جوهر هذه المعاهدة يقوم على ما يمكن اعتباره تسوية بين مجموعتين: المجموعة الأولى تتعهد بعدم اللجوء إلى تطوير أو استعمال السلاح النووي أو إلى استيراده وتصديره. والمجموعة الأخرى هي تلك التي "وعدت" بنزع سلاحها. إلاّ أن هذه المعاهدة هي في الواقع ترجمة لخشية الدول الكبرى، وخصوصاً أميركا، من أن تتمكن دول أخرى من اللحاق بها على الدرب النووي، أكثر مما تعكس الخوف من نتائجه السلبية على البيئة والإنسان.
ما لا شك فيه أن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية جاءت لتخدم الغرب: فلقد شكلت بالنسبة إليه إطاراً قانونياً قيمياً لاحتكار السلاح الذري، وصدّاً للآخرين عن امتلاكه. إن هذه المعاهدة التي أريد لها أن تكون محاولة توازن بين الواجبات و الحقوق للدول ما لبثت أن اختزنت في طياتها غموضاً و ضبابية كان الغرب قصد بهما التحلل الدائم من مبدأ نزع سلاحه النووي. فمنذ 1965 والدول غير النووية تُسائل الدول المتحكمة بالسلاح النووي عن ضمانات وتعهدات. أما الردود فهي دائماً غامضة وملتبسة. فبحسب معاهدة عدم الإنتشار، فإن الدول غير النووية التي لم تعد تبحث عن هذا السلاح تجد نفسها فاقدة لمصدر رئيسي لأمنها، فإذاً كيف يمكنها من الآن فصاعداً أن تنعم بالأمن لو هي تخلت عن طموحاتها النووية؟ ثم ما هي الضمانات بألاَّ تلجأ هذه الدولة الكبرى أو تلك إلى استعمال سلاحها ضد دولة أصغر؟ ثم من يؤمن لهذه الدول غير المحمية من دولة عظمى أمنها وسلامتها؟ وفي حالة اعتداء نووي ما السبيل إلى ردع المعتدي؟ وما هي الإجراءات وما نوعيتها لمساندة المعتدَى عليهم؟ كل هذه الأسئلة التي تم طرحها من العديد من الدول كالهند والسويد ومصر لم تجد إلاّ أجوبة شكلية وواهية من "دول القرار".
هذه الأسئلة باتت الآن مقلقة، خصوصاً بعدما تحول العالم إلى عالم آحادي القطبية. فلن تجد حالئذٍ أي مبرر لأي تعديل أو إضافات لهذه المعاهدة. فرنسا أيضاً عدَّّلَت للتو من عقيدتها بحيث تسمح لنفسها بضرب دول وحتى "مجموعات" تفترضها معادية. أما أميركا التي رفضت في السابق اقتراحاً سوفياتيًا (1966) بإضافة ملحق على المعاهدة ينص على تحريم استعمال السلاح النووي ضد الدول غير النووية والموقّعة على المعاهدة والتي لا يوجد على أراضيها سلاح نووي، فهي الآن تعتبر "التهديدات" الحالية لانتشار السلاح النووي ووجود دول "تنتقص" من واجباتها تجاه المعاهدة أمراً ينهي أهمية إعطاء ضمانات للدول غير النووية.
واقع الأمر أن الدول النووية الكبرى وخصوصاً الغربية منها، تبدو للوهلة الأولى على حال من الجزع بسبب من فقدان قدرتها الكامنة على الردع. إن شعوراً كهذا بات يهيمن على هذه الدول في حال هي التزمت فعلاً بآليات وأطر جماعية تتعهّد من خلالها تقديم ضمانات وتعهدات واضحة لأمن وسلامة الدول غير النووية. لكن لا مناص من القول أن الجذر الحقيقي لمثل هذا الرفض المزمن للتعاون بين الأمم والقائم على الوضوح والحقوق المتبادلة نجده منبسطاً على أرضية إيديولوجية غربية شديدة القسوة عمرها من عمر حداثتها. إنها الإيديولوجيا التي تغتذي من عقيدة السيطرة، ومن مركزية المعرفة، ومن سطوة المكننة المستعلية. إن البشرية على نحو كلي، تعاني من هذه الإيديولوجية الغربية التي تنقسم إلى نفي وتأكيد في الوقت عينه؛ نفي لأخلاقيات المساهمة والمشاركة والتعاون، وتأكيد لواقع أن كل مكتسب قابل للتراكم، و كل مكتسب متراكم هو أمر قابل للاختزان، وكل اختزان هو بحد ذاته قيمة و جبروت.